أبي منصور الماتريدي
332
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ وقوله : ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ يحتمل وجهين . يحتمل : ابتغاء رضوان الله . ويحتمل : ابتغاء وجه يكون لهم عند الله ] « 1 » ، وهو المنزلة والرفعة ، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة : وجيها كقوله : وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ آل عمران : 45 ] أي : ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة . وعلى ذلك يخرج قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] أي : ثمّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها ، فعلى ذلك هذا صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي : ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم ؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَقامُوا الصَّلاةَ . أي : داموا على إقامتها ؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها ؛ ولكن داموا على إقامتها ، وعلى ذلك قوله : أَقِيمُوا الصَّلاةَ [ الانعام : 72 ] أي : دوموا على إقامتها . ويحتمل قوله : وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي : جعلوها قائمة أبدا . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً . يحتمل كل نفقة : الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده ، سِرًّا وَعَلانِيَةً أي : ينفق في كل وقت ؛ سرّا من الناس وعلانية منهم أي : ينفق على جهل من الناس ؛ وعلى علم منهم ؛ ينفقون على كل حال ؛ لا يمنعهم علم « 2 » الناس بذلك عن الإنفاق ، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم . وقوله - عزّ وجل - : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ . أي : يدفعون بالحسنة السيئة ، ثم يحتمل وجهين : أحدهما : يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم ؛ كقوله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ . . . الآية [ فصلت : 34 ] . والثاني : يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف ، ولا يكافئون بالسيئ السيئ ؛ وبالشر الشر ؛ ولكن يدفعون بالخير . وقال بعضهم : في قوله : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي : إذا سفه عليهم حلموا ،
--> - المالك في تصرفه في ملكه ، فهذا هو الذي يصدق عليه أنه صبر ابتغاء وجه ربه ؛ لأنه صبر لمجرد طلب رضوان الله . ينظر : اللباب ( 11 / 294 ) . ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) في ب : حال .